مركز الأبحاث العقائدية

435

موسوعة من حياة المستبصرين

أما ما كان منها متعلقاً بالسياسة كالولايات والإمارات ، وتدبير قواعد الدولة ، وتقرير شؤون المملكة ، وتسريب الجيش ، فإنهم لم يكونوا يرون التعبد به والالتزام في جميع الأحوال بالعمل على مقتضاه ، بل جعلوا لأفكارهم مسرحاً للبحث ، ومجالاً للنظر والاجتهاد ، فكانوا إذا رأوا في خلافه ، رفعاً لكيانهم ، أو نفعاً في سلطانهم ، ولعلهم كانوا يحرزون رضا النبي بذلك ، وكان قد غلب على ظنهم أن العرب لا تخضع لعلي ولا تتعبد بالنص عليه ، إذ وترها في سبيل الله ، وسفك دماءها بسيفه في إعلاء كلمة الله ، وكشف القناع منابذاً لها في نصرة الحق ، حتى ظهر أمر الله على رغم كل عات كفور فهم لا يطيعونه إلا عنوة ، ولا يخضعون للنص عليه إلا بالقوة ، وقد عصبوا به كل دم أراقه الاسلام أيام النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، جرياً على عادتهم في أمثال ذلك ، إذا لم يكن بعد النبي في عشيرته ( صلى الله عليه وآله ) ، أحد يستحق أن تعصب به تلك الدماء عند العرب غيره ، لأنهم إنما كانوا يصبونها في أمثل العشيرة ، وأفضل القبيلة ، وقد كان هو أمثل الهاشميين ; وأفضلهم بعد رسول الله ، لا يدافع ولا ينازع في ذلك ، ولذا تربص العرب به الدوائر ، وقلبوا له الأمور ، وأضمروا له ولذريته كل حسيكة ، ووثبوا عليهم كل وثبة ، وكان ما كان مما طار في الأجواء ، وطبق رزؤه الأرض والسماء . وكذلك فإن قريشاً خاصة والعرب عامة ، كانت تنقم من علي شدة وطأته على أعداء الله ، ونكال وقعته فيمن يتعدى حدود الله ، أو يهتك حرماته عز وجل ، وكانت ترهب من أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، وتخشى عدله في الرعية ، ومساواته بين الناس في كل قضية ، ولم يكن لأحد فيه مطمع ، ولا عنده لأحد هوادة ، فالقوي العزيز عنده ضعيف ذليل حتى يأخذ منه الحق ، والضعيف الذليل عنده قوي عزيز حتى يأخذ له بحقه ، فمتى تخضع الأعراب طوعاً لمثله وهم ( أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ى وَاللَّهُ عَلِيمٌ